صور حب




منتدي صور حب
العودة   منتدي صور حب > اقسام الصور الــعـــامــة > شخصيات تاريخية - شخصيات مشهورة

إضافة رد
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Mar 2018
المشاركات: 18,816
افتراضي معلومات مفيدة العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي.......شخصيات من التاريخ...اهم الشخصيات التاريخيه.





معلومات مفيدة العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي.......شخصيات من التاريخ...اهم الشخصيات التاريخيه.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يسعدنا ان نعرض لكم كل ما هو جديد في مجال المعلومات التاريخية و الشخصيات
كل ماهو جديد في المعلومات و التاريخ



.معلومات مفيدة عن الشخصيات التاريخيه..


العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي من خلال مقالاته

بقلم :د .أآرم حمدان

لم أن أعرف الدكتور الطناحي قبل اطلاعي على مجموع مقالاته التي نشرتْها دار البشائر الإسلامية في مجلدين، وصدرت الطبعة الأولى منها سنة .٢٠٠٢ ولئن آن الأسهل على المرء أن يسوّغ ذلك بأن الرجل لم ينل من الشهرة ما ناله غيره من الأعلام الذين سارت بأسمائهم الرآبان، إذا سمح لنا الأساتذة الكرام أمثال أحمد أمين ومارون عبود والعقاد، ومن سار سيرهم في الحملة على الاجترار، أن نجتر هذا التعبير، حيث لا قوافلَ ولا رآبان، فإن الأساتذة الأفاضل الذين درسونا أيام الجامعة يتحملون جزءاً من سبب جهلنا بعلم آبير مثل الدآتور الطناحي رحمه الله وطيب ثراه، ولا سيما أولئك الذين آانوا قد سافروا وتقلبوا في البلاد، وقابلوا من الناس من لم يقابلْ غيرُهم، وعرفوا من الرجال من لم يعرفْ سواهم .على أن جزءاً من
هذا الجهل راجع إلى تقصيرنا نحن في البحث والتنقير، وانصرافنا عن القراءة والاطلاع، ولا سيما أن الرجل ترك من الإنتاج العلمي خمسة وثلاثين آتابًا، بين تحقيق وتأليف، أثرى بها المكتبة العربية، وأفاد بها وأجاد .

وأما وقوعي على آتاب مقالات العلامة الدآتور الطناحي فراجع إلى شغفي بقراءة مقالات الأعلام، ذلك الشغف الذي نما وترعرع من خلال قراءتي مقالات الأستاذ الكبير أحمد أمين في فيض الخاطر ، ثم مقالات الأستاذ مارون عبود في آخر حجر و الرؤوس و مجددون ومجترون ُوغيرها من آتبه النفيسة، ثم ما توالى بعد من آتب ضمت مقالات عاليةً لعدد من الكتاب الكبار والأساتذة الفاضلين .وذلك أن القارئ آثيراً ما يجد في المقالات والبحوث القصيرة المرآزة ما لا يجده في
المطولات من الكتب، مما يُحبّ أن يتعرف عليه، بحكم فضوليته، من العلاقات والوشائج، وأقوال الرجال في الرجال، من أصحاب الفكر والعلم والقلم، وما إلى ذلك، مما لا يخلو من فائدة ومتعة، ولا تتسع له صفحات الكتب على طولها .

ومَثَُل ذلك أنني قرأت الكثير لأحمد أمين، ولم أزل مشغوفاً بمطالعات ما ترك من آتب وبحوث ومقالات ١ ، بيد أني لم أعرف أنه آان يملي إملاء بأخرة من حياته، وأن الذي آان يكتب له هو تلميذه الأستاذ الكبير إحسان عباس، إلا من خلال مقالة للدكتور عباس في آتابه الذي ضم بين دفات مجلداته الثلاثة ما أبدعته قريحة مؤلفه من بحوث ومقالات خلال حياته العلمية الحافلة، ونشرته له دار الغرب الإسلامي عام .٢٠٠٠ وآذلك ما آنت أعلم أن الإمام الشهيد حسن البنا، على حبي الشديد له وقراءتي له وعنه، خطا في مجال تحقيق التراث خطوة إلا من خلال مقالة للدآتور الطناحي في آتابه في اللغة والأدب عنو انها : المحققون من أبناء دار العلوم .٢ ومهما يكن من شيء، فأنت تجد في هذه المقالات من المتعة الذهنية ما لا تجد في غيرها، وتقف فيها على نكتٍ وطرائفَ ولطائفَ لا تقف عليها في سواها .

ومن هنا، فلما وقع نظري على هذا العنوان بينما آنت أنظر في فهارس دور النشر، سارعت بالإعلام عليه وطلبه مع آتاب له آخر عنوانه في اللغة والأدب :دراسات وبحوث ، فلما جاءني الكتابان جعلتهما من أوائل الكتب التي وضعتها على القائمة للقراءة .وما هي إلا أن قلبت صفحات أول الكتابين، حتى أدرآت أنني أمام علم من أعلام العربية في العصر الحديث، وباحث من الباحثين الجادين، وآاتب محكم الفكرة، جزل العبارة، رصين الأسلوب، غزير العلم، واسع الثقافة .وعجبت من نفسي أنْ لم
أعرف هذا الرجل من قبل .ثم ازدادت صلتي به من خلال متابعة أخباره من هناك ومن هناك، والاستمتاع بقراءة مقالاته وبحوثه، التي ضمها ثاني آتابيه الذي يقع أيضاً في مجلدين، فإذا رجل صادق النفس قوي الإيمان، لم يشغله شاغل آتراث أمته، فوقف نفسه عليه، متتبعاً مخطوطاته، ومعتنياً بتحقيقه، ومضطلعاً بفهرسته في آثير من الدول والمؤسسات، إلى اشتغاله بالعلم والبحث والتدريس، حتى نودي في السادس من ذي الحجة سنة ألف وأربعمائة وتسعة عشر، فأجاب نداء ربه، وألقى عصا التسيار في هذه الحياة وهو في أتم صحة وأآمل عافية .

والدآتور الطناحي أزهري درعمي، ولد عام ١٣٥٣ من هجرة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، بمحافظة المنوفية في مصر، وتقلب في مناصبَ أآاديميةٍ آثيرة، منها عمله أستاذاً بكلية الدراسات العربية والإسلامية بجامعة القاهرة، فرع الفيوم،
وأستاذاً بقسم اللغة العربية وآد اِبها بكلية الآداب بجامعة حلوان، وأستاذاً مشارآاً بكلية اللغة العربية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وفي غيرها .وهو شديد الانتصار لتراث هذه الأمة، والاعتداد به، عارف بمظانه، مطلع على آنوزه، متمكن من أدوات النظر فيه، ونقده وتقويمه، آما يظهر واضحاً من خلال مقالاته المختلفة، ولا غرو، فهو حو اريّ الشيخ شاآر، وتلميذه الأريب !

على أن أهم ما أبرزه هو اتصاله بعالم المخطوطات العربية، إذ دخل في هذا المجال ناسخاً ومفهرساً ومحققاً، وأتيح له من خلال انتدابه عضواً في بعثات معهد المخطوطات العربية أن يزور ترآيا والمغرب والسعودية واليمن، وأن تكون له اليد الطولىِ في الكشف عن نوادر خزائنها وفهرسة مخطوطاتها .وقد أآسبه العمل في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول
العربية خبرات واسعة بكنوز التراث العربي بفضل تلمذته على عالِمَيِ المخطوطات الكبيرين :محمد رشاد عبد المطلب، وفؤاد السيد .وآان رشاد عبد المطلب، آما يقول الطناحي، من العلماء بالمخطوطات وأماآن وجودها، وآان لا يُجارَى في معرفة المطبوعات وأماآن طبعها شرقًا وغربًا، والفرق بين الطبعات، وعدد طبعات الكتاب المختلفة، ومن وراء ذلك آانت له صلات وثيقة بعلماء الدنيا من عرب وعجم .ويتابع الطناحي قائلاً : آنتُ لصيقًا به ملازمًا له عشر سنوات في معهد المخطوطات ..وتعلمت منه الكثير .٣ ثم ما آان من تلمذته على علامة العربية الشيخ محمود محمد شاآر، الذي حل من قلبه في أآرم موضع، وفاز لديه من الحب والتقدير بالسهم الأغلب والنصيب الأوفر، وآان لديه صاحب القدر الرفيع والجواب الطائع، إذ آان الدكتور الطناحي، رحمه الله، شديدَ التعلق به والدفاع عنه، آما سيأتي في ثنايا هذه المقالة، التي من تمام
تعريفي به فيها أنني سأحرص على أن أسوق فيها من آلامه آلما واتت الفرصة قدر المستطاع، تشويقاً للقارئ وحثاً له على طلب المزيد .

* * * * *
نظرة في النحو العربي

وأول ما يلفت انتباه قارئِ مقالات الطناحي أن الرجل قد أحب لغة العرب حتى شغف بها، وغدا جندياً من جنودها، وحارساً من حراسها، يدافع عنها ويذب عن حياضها، ذبَّ من ملك أدوات العلم والبحث والمناظرة، لا دفاعَ أصحاب التهويش والتهاويل الفارغة، ممن يسيئون من حيث يحسبون أنـهم يحسنون، ويهدمون وهم يظنون أنـهم يبنون .ولا عجب، فقد آان الرجل، آما مضى، حجة في فنون العربية وآدابها، حافظاً للقرآن الكريم، عارفاً وجوه قراءاته، ذآياً سريعَ اللمحة، مطلعاً على آتب التراث،
متمكناً من تحقيقها .٤ ويظهر أثر ذلك الشغف في آل ما رَقَمَه ق لمُه،ْ بَلهَ ما خصصه لذلك من مقالات، آتلك التي يرد فيها على مقالةٍ آتبها الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي،ُ عنو انها : حين يستوي الصمت والكلام ، وخلاصتها أن اللغة ليست هي النحو، وأن المبالغة في الاهتمام بالنحو ليست دائماً دليلاً على نـهضة أدبية أو حاسة لغوية يقظة، بل ربما آانت بالعكس د ليلاً على ضعف السليقة وانحطاط الملكة .والطناحي في رده على هذه المقالة لا يجتهد في تبيين فضل النحو وسلطانه على سائر العلوم العربية فحسب، إذ قد أبدأ في ذلك وأعاد، وحشا فيه وآرر، ولكنهَ يغوص في أعماق الكتب لينتزع منها أمثلة تبين سلطان النحو على اللغة والفكر والفن معاً، فهو، وإن آان يتفق مع حجازي على أن اللغة ليست هي النحو، بل يقرر أن ذلك مما قاله أهل العلم من قديم، فإنه يرى أن النحو إبداع، و ليس موضوعاً يحفل به المشتغلون بالمثل اللغوية، والذين يرون إقامة الحدود بين الصواب والخطأ، أو يرون الصواب رأياً واحداً ، فالنحو عنده مشغلة الفنانين والشعراء .٥ والبديع في هذه المقالة هو تفريق الطناحي بين نحو الصنعة ونحو التراآيب وبناء الجملة العربية، والأخير في نظره، ونظرنا معه، هو النحو الشامخ القائم على رعاية المعاني والدلالات، التي خرجت بالنحو من دائرة القوالب والنظام والاطراد،
إلى العلاقات بين أجزاء الكلام، وتلك المنادح الواسعة من التقديم والتأخير، والحذف والتقدير، والإضمار والفصل، والاتساع والحمل، والتضمين والجوار، والاستغناء ورعاية الظاهر واعتبار المحل، ومعاني الحروف والأدوات ووقوع بعضها موقع بعض،َ وتبادل وظائف الأبنية، ثم لغة الشعر التي يسمونها الضرائر .قال : وهذا تستطيع أن تدرآه من أول آتاب سيبويه إلى النحو الوافي لعباس حسن، على تفاوت بين النحاة في ذلك، وتستطيع أن تدرآه أيضاً في آتب أعاريب القرآن وتوجيه القراءات
السبع والعشر والشواذ، وشروح الحديث النبوي، وفي شروح الشعر وآتب الأمثال وعلوم البلاغة ، ومن ثم فهو يرى أن ِالنحو بهذا الوصف لا يصح أن يطعن فيه أو ينتقص منه، لأن الطاعن فيه منتقص للعربية آلها، ذاهب عنها جميعها .&#1638.

ويمضي الطناحي مبرزاً ما مر به النحو العربي على أيدي نحاته الأآابر من قفزات سمت به، فيتناول قضية تجاذب المعانى والإعراب، ِّوما آان لابن جني فيها من قول، ثم ما وُفق إليه الشيخ عبد القاهر الجرجاني، الذي آان يعرف عند الأقدمين بعبد القاهر النحوي، من نظرية النظم .

ثم تراه يشن على حجازي هجوماً آاسحاً في الجزء الثاني من مقالته هذه، لانتقاصه من قدر ابن منظور وابن هشام، اللذين يرى الطناحي أنه لولا ما صنعاه هما وغيرهما من لغويي ونحاة وعلماء القرن الثامن، وهو العصر المملوآي الذي دأب بعض الكتاب على وسمه بعصر الانحطاط، لضاع علم آثير، و لضعُفت ذاآرة الأمة العربية ثم تلاشت .

ولم يترك الطناحي الأستاذ حجازي قبل أن يناقشه الحساب في قوله : إن الدآتور طه حسين قد أخرج بمنهجه الشعر الجاهلي من سلطان النحاة ،ُ فينشئ لذلك مقالة عنو انها النحو والشعراء ، ينقض فيها عرى هذا الكلام عروة عروة، ويبين أنه من الكلام الذي يرسل إرسالاً، وآأنه من الحقائق المؤآدة التي استقرت عند الناس، ولم يبقَ لأحدٍ فيها مقال .

ويطالب الطناحي الأستاذ حجازي بتحديد هؤلاء النحاة وبيان مدى سلطاِنهم المزعوم، إذ من النحاة من آان مع الإبداع الشعري، آأبي علي
الفارسي وابن جني، بل إن آثيراً من نحاة الصدر الأول آانوا في قلب الحرآة الشعرية وفي الصميم منها، آأبي عمرو بن العلاء الذي آان راوية لذي الرمة، ُالذي يقال إن شعرَه يمثل ثلثَ لغة العرب .وآذلك آان يونس بن حبيب، شيخُ سيبويه، شديدَ الاختصاص برؤبة بن العجاج .آما آان نفطويه يحفظ نقائضَ جرير والفرزدق وشِعرَ ذي ا لرُّمة .وينتصر الطناحي من بعدُ لمنهج النحاة في تقعيد القواعد واستبعادهم ما شذ عن النظام اللغوي الذي قعد النحاة قواعده عليه .وفي هذه المقالة يرى أيضاً أن
الضرورة الشعرية لا تسوِّغ الخروج عن السنن العربية، وأن العميد طه حسين نفسَهَ يعيبُ على بعض الشعراء المحدثين خروجَهم على قواعد النحو، ويوافقه في ذلك صلاح لبكي .

وإنني أهيب بأساتذة النحو العربي ودارسيه على السواء أن يتأملوا آراء هذا العالم في النحو، والتي خلاصتها أن النحو القائم على رعاية التراآيب والدلالات في الكلام العربي الملفوظ والمكتوب، هو النحو الذي ينبغي معرفته وتأمله والاستكثار منه، لأنه بهذا المفهوم مِلاك العربية وقوامها، بل إنه آان يعبر عنه أحياناً في القديم بالعربية ٧ ، وأن يجتهدوا في الخروج بالنحو من جفاف النظرية إلى خصب التطبيق، ومن مسارب آتب الصناعة إلى رحابة ما نطقت به العرب العرباء، وأن يجمعوا إلى نحوهم شيئاً من الأدب الحي، واللغة العذبة، حتى يجدوا لكلامهم سبيلاً ومذهباً، ولتوجيههم مقنعاً وبلاغاً، فيجعلوا النحو بذلك حياً في آل ما يكتبون ويقولون، علَّ جيلاً ينشأ على حب النحو وعشق العربية .

وليحذروا مع ذلك من دعاوى تيسير النحو، التي لا تقود إلا إلى تشويهه وبتر أعضائه، فإن آل عبارة خطت في هذا السفر النحوي العظيم، إنما هي خيطُ لحمة أو سدى في ديباج نسيجه، آما يقول الأستاذ يوسف الصيداوي، فلينظر المرء ماذا ينسل وماذا يبتر !وليعلم في آل حال أنه بما يفعل، إنما يقطع أوصال آائن حضاري، لو مَلكتْ مثلَه أمة من الأمم الراقية لحَرَصَتْ عليه حِرصَها على إنسانِ عينها، ولعاقبت مرتكبَ تيسيره
عُقابَ من يسيء إلى أمة .٨

* * * * *
الشعر والأمثال العربية

ومما يكثر دورانه في مقالات الطناحي ا لشعرُ و الأمثالُ العربية، فهو يقتنصها اقتناصاً، ويسوقها في حاقِّ مواضعها، من غير تكلف ولا تمحل، وربما يشير إلى قائليها ومن تنسب إليهم إذا وسِعَه المقام، ومن ذلك ما ساقه من قول العرب : شِنْشِنة أعرفها من أخزم ، وقولهم : ثـِّبتً نسباً واطلب ميراثا ، و من يَعِشً يرَ عجبا .بل إن مجرد وضع الطناحي هذه الأمثال في مواضعها المناسبة من الكلام، يكاد يكون شرحاً لغامضها، وتوضيحاً لمبهمها، وتبيينا لمواطن استعمالها .

وشواهد الطناحي من الشعر تقوم دليلاً آخر على تمكن الرجل وسعة اطلاعه، وهو ُيكثر من ذلك، ويأتي فيه بالبديع المعجبِ من الشواهد التي لا يكثر دور اُنها على ألسنة الناس ولا في آتاباتهم، ولكنك لا ترى إلا شواهد قد جاءت في محالها، غير مستثقلة ولا مستكرهة، تنبئ عن علم غزير وذوق .َودونك استشهاده بقول الشاعر :
فإلا يكونوا قاتليه فإنـــــه ** سواء علينا ممسكاه وضاربه
وقوله الآخر :
يديرونني عن سالم وأديرهم **وجلدة بين العين والأنف سالم
وربما أمسك عن ذآر شاهد يحضره في مسألة بعينها، خشية الإساءة، واستبراًء لدينه وعِرضه؛ يقول في معرض رده على الأستاذ حسين أحمد أمين، وسيأتي حديثه : ويحضرني الآن شاهد من الشعر وة من التشبيه، ولكني أمسك عنهما، صوناً لنفسي من الزلل، واستمساآاً بأصول أخلاقية ألزمت ِبها نفسي منذ أن عرفتُ طريقي للكتابة والمذاآرة والمحاضرة .وأنا أنشد لنفسي دائماً قول ابن فرج الجياني الأندلسي :
فملّكت النهى جمحات أمري **لأجري في العفاف على طباعي ٩

وبالجملة، فأنت لا ينقضي عجبك مما بُثَّ في مقالات هذا العالم من فوائد لغوية وطرائف أدبية ونكات نحوية ونوادر عجيبة، إن في التفسير أو الحديث أو التاريخ، أوغير ذلك من العلوم، لا تكاد تخلو منها صفحة من صفحات الكتاب، ناهيك بأقواله في التراث وتحقيقه، ورجاله ونسائه من العرب والمسلمين والمستشرقين مما سنلم بطرف منه عما قليل .

* * * * *

َتهاويل فارغة

ولا يكاد الطناحي يمر بشيء من المصطلحات الحديثة التي باتت تدور في فلكها آتابات آثير من الكتاب، إلا ويجرد له سيفه، ويشن عليه حملته، فبينه وبينها عداء متمكن، فهو دائماً يصفها بالتهاويل الفارغة التي لا طائل تحتها، ودونك حديثه عن تعلمه العربية إذ يقول :... ّفعرفنا العربية صافية قبل أن تكدرها الدلاء، فلم يكن الدرس الأدبي واللغوي في أيامنا غارقاً في ضباب المصطلح والنظرية، وتقويم الفكر العربي، وسائر تلك التهاويل الفارغة والدعاوى العريضة التي فتحت الباب للصغار يعبثون بتاريخهم وعلومهم !١٠

ويظهر ذلك في تعليقه على آلام للدآتور أحمد درويش عن النحو العربي بقوله : وأخطر ما في آلام الزميل العزيز أنه استطال فيه بذآائه، واحتشد له بتلك المصطلحات والتراآيب التي تخطف بصر القارئ وتَهزه هزاً، وتخيفه ( تخضه )... وهو نمط من الكلام إن أعجب بعضَ الناس فإنه عند آثير منهم خفيفٌ هين، آما قال الشاعر : وخمر أبي الروقاء ليست تسكر .١١ ونحواً من هذا ذآر في معرض رده على آلام الأستاذ حجازي إذ قال : علىِ أن ا لزجَّ بهذه الكلمات :الآداب اليونانية، والمرحلة الهللينية والسكندرية، وروما في القرن الرابع ...آل ذلك وأشباهه مما يلقيه الكاتب إلى القارئ أو السامع – وبخاصة
المبتدئ -فيهزه هزاً، ثم يدهشه ويرعش عقله ويخيفه ( يخضه )ف تضعف حجته في الرد عليه أو دفعه لو وجد إليهما سبيلاً، على ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما : ونصرت بالرعب مسيرة شهر .١٢

وإليك هذا الوصف البليغ الذي يصف به الطناحي ما بات يدور في آتابات أهل النقد من مصطلحات نقدية، وما ينساق إليه كثير من الكتاب والشعراء من الغموض الذي يدع الحليم حيران، فتلك المصطلحات في نظره إن هي إلا ألفاظ مستهلكة تشبه العملة المعدنية الممسوحة، أو العملة الورقية التي َتهرأت أطرافها من آثرة ما تداولتها الأيدي، أو آالعملة الزائفة التي ليس لها رصيد في مصرف النفس، وإنما هي ألفاظ وتراآيب تسود بها الصحف، تروح وتجيء، تتجاوزها عينك على عجل، لا تقف
عندها، لأنك لا تجد فيها إمتاعاً، ولا ُتحِسُّ معها أنساً، فضلاً عما تجده في بعضها من ثقل وغثاثة، تكاد تطبق على القلب وتسد مجرى النفس –وما أمر الزخم منك ببعيد، إلى هذه البلية المستحدثة، وهي بلية الغموض الذي يندفع فيه آثير من الأدباء الآن، وليس هو الغموض الذي يحرك النفس لتستخرج بحسن التأمل خبيء الكلام ومطوي المشاعر، ولكنه الغموض المظلم الذي يكد العقل، ويكون مجلبة للغم والكآبة، غموض العجز والحيرة .١٣ ثم يمضي ليقول : وهذه الألفاظ والتراآيب التي يستعملها بعض أدباء هذا الزمان، أشبه بتقاليع ( الموضة )، تظهر ثم تختفي، لا تعرف ثباتاً ولا استقراراً، فقد آنا نسمع في الستينات ... الوحدة الموضوعية، والمعاناة، وعمق التجربة، والخلق وتراسل الحواس، والمونولوج الداخلي، والدفقة الشعورية، والتعبير بالة، والألفاظ الموحية، والشعر المهموس .

والآن نسمع :الإبداع وتكثيف التجربة، والزخم ( والعياذ بالله )والطرح، والمنظومة والإشكالية والتناص والتماهي والتفجير والتفكيك ...وهذا وأشباهه إنما هو آما قال ابن قتيبة منذ ) )١٢٤٠ سنة في مقدمة أدب الكاتب : ترجمة تروق بلا معنى، واسم يهول بلا جسم، فإذا سمع الغُمر -أي الجاهل -والحدث ا لغرُّ قولَه :الكون والفساد، وسمع الكيان ...راعه ما سمع، فظن أن تحت هذه الألقاب آل فائدة ولطيفة، فإذا طالعها لم يحل منها بطائل ، أو آما قال أبو السعادات بن الشجري :َتهاويل فارغة من حقيقة .ثم عقب الطناحي بقوله : ولا يغرنك أيها القارئ اجتماع الكتاب على هذه الألفاظ،
وآثرة استعمالهم لها، فإن الاستعمال ليس بدليل على الحسن، آما يقول ضياء الدين بن الأثير في المثل السائر .١٤
وقد أآد الطناحي نظرته هذه في مقالة طريفة من مقالاته القصيرة، التي جُمعت أيضاً تحت عنوان : الكلمة الأخيرة وّذُيل بها مجموع مقالاته .وخبر تلك المقالة أن ابنته طالبة في إحدى آليات الآداب، وأنه هو يعلم العربية في آلية مناظِرة، فكان حقاً.

***

عليه، آما يقول، أن يكون في عون ابنته فيما يشكل عليها مما تدرس من علوم العربية .يقول : لكني أقف عاجزاً أمام آثير مما تدرسه ابنتي، وبخاصة ما يتعلق بعلوم النقد الأدبي والبلاغة والأدب المقارن وتحليل النصوص، فكثير مما يقدم من هذه العلوم للطلبة الآن آلام عجيب حقاً، وليس له من العربية إلا الحروف والأفعال والأسماء، مصبوباً ذلك آله في نظام نحوي صحيح في جملته، لكنك إذا أردت أن تخرج منه بمعان أو دلالات ذات معنى أعجزك ذلك، فهو آلام تعقل معنى مفرداته، ولا تفهم
مرآباته آما وصف ابن دقيق العيد آلام ابن سبعين الصوفي، وأحياناً لا تعقل مفرداته، ولذلك يعجزني - على آثرة ما قرأت وحفظت -أن أجيب ابنتي على ما تسأل، وآثيراً ما أجيبها : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، ثم أصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم .١٥ وتحضرني في هذا المقام آلمة للفارابي في المنجمين تكاد تنطبق على آثير مما يأتي في آلام هؤلاء، قال فيها : اعلمً أنك لو قلبت أوضاع المنجمين فجعلت الحار باردا، والبارد حاراً، والسعد نحساً، والنحس سعداً، والذآر أنثى، والأنثى ذكراً، ثم حكمت، لكانت أحكامك من جنس أحكامهم، تصيب تارة، وتخطئ تارات .١٦
* * * * *
الطناحي والقراءات
وآنت قد ذآرت في مقالتي السابقة عن معلم اللغة العربية أن اللغة العربية آلُّ متكامل لا غنى لموضوع فيها عن الآخر،
وهذا ما يجده قارئ مقالات الطناحي، رحمه الله وبَرَّد مضجعه ١٧ ، فأنت تجده قد ضرب في آل علم من علوم العربية بسهم، ثم
لم يترك آتاباً من آتب القراءات والتفسير والحديث، ولا من آتب السير والتراجم والرجال، ولا من آتب الفقه والمنطق
والأصول، وقعت عليه يده، إلا ونظر فيه نظر الخبير الواعي، وذلك من آثار تلمذته على الشيخ شاآر الذي آان من وصاته
لتلامذته أن يقرؤوا الكتب قراءة آاملة، من أولها إلى آخرها، وألا يكتفوا بالرجوع إليها بين الفينة والأخرى، ويتعاملوا معها
تعامل المصادر والمراجع، يأخذون منها حاجتهم ويمضون، آالطائر العجل يحسو من الماء حُسوة ثم ينطلق في فضاء الله .وقد
آان ذلك دأب الشيخ شاآر وهجيراه، فقد آان، آما يقول عنه الطناحي، ينعم بما أفاء الله عليه من مكتبة ضخمة عامرة، لم
تتيسر لأحد من علماء عصرنا، قرأها آلها قراءة آتاب واحد، بذلك العقل الذآي الذي يجمع آل شاذة وفاذة .
وقدُ آتب الطناحي مقالة عنو انها : الشيخ الشعراوي والفتنة بما يقوله الكبار ، أبرزت تمكنه من القراءات، ودفاعه عنها،
وبيان ذلك أن الشيخ الشعراوي، رحمه الله وأجزل مثوبته، عرض في بعض الحلقات قبل وفاته لقضية القراءات القرآنية،
وانتهى إلى أن سبب الاختلاف فيها هو أن المصحف الشريف في أول آتابته لم يكن منقوطاً، فكان العربي المسلم يقرأ وينطق
بملكة اللغة المتوارثة، ودلل على ذلك ببعض الأمثلة، منها قوله تعالى صبغة الله )] البقرة :[١٣٨ ، وقوله تعالى وسخر لكم ما
في السموات وما في الأرض جميعاً منه )] الجاثية :[١٣ وقال عن الآية الأولى إنها قرئت قراءتين صبغة )بالصاد المهملة
بعدها باء موحَّدة ثم غين معجمة، و صنعة بالصاد أيضاً بعدها نون ثم عين مهملة .ثم أخذ الطناحي في مناقشة هذه القراءة،
فبين أنها ليست من المتواتر، ولا حتى من الشاذ، قال : ولست أدري من أين جاء بها الشيخ؟ ثم عرض توجيه أهل التفسير
للآية على معنى صبغة .
والذي يهمنا في هذه المقالة هو ما عرض له الطناحي من مناقشة قضية خلو المصحف الشريف من النقط والإعجام، وهي
قضية جد خطيرة، قد خاض فيها آثيرون، فنجا منهم مَن نجا وهلك من هلك، ولعل أول من نقب هذا النقب هو المستشرق
المجري جولدزيهر، وقد تبعه خلق من المستشرقين، وعدد من العلماء المسلمين .وقد ناقش الطناحي هذه القضية مناقشة تشهد
له، على اقتضابها، بطول الباع، والتمكن من هذا الفن، مع صلاح النية وسلامة الاعتقاد .ًفقد نفى نفياً قاطعا أن يكون خلو
6
المصاحف من النقط هو السبب في اختلاف القراءات، إذ هي توقيفية وليس فيها مكان لاجتهاد المجتهدين، ولا لتأول
المتأولين .١٨ وقد صدر في ذلك آله عن إيمان وعقيدة، يقول : والمأمول منك أيها القارئ الكريم أن تجعل هذه القضية على
بالك، وأن تشغل بها بالك ووقتك، فإنها دين وعقيدة .١٩
على أن الطناحي قد عرض لهذه القضية من قبل في مقالة نشرتها مجلة الهلال عام ١٩٩٧، وهي ثانية مقالتين قدم في
الأولى منهما عرضاً لكتاب الدآتور الطاهر أحمد مكي الموسوم بـ دراسة في مصادر الأدب ، أما الثانية فأدارها على مناقشة
ما جاء في الكتاب من تاريخ النقط في الحروف العربية، وقد دلف منها إلى مسألة تجرد المصاحف من نقط الحروف التي رأى
الدآتور مكي أن الاختلاف في القراءات القرآنية راجع إليها، وقد وصف الطناحي، على جم أدبه، هذا الرأي بأنه خطأ محض
ووهم غليظ ثم قال : وليغفر لنا الأستاذ الكبير هذه الأوصاف؛ لأن الأمر يتعلق بكتاب ربنا عز وجل .٢٠ وآذلك عرض
للقضية نفسها في مقالة له عنوانها :هذه النقطة .. وقضية التصحيف والتحريف، مؤآداً الموقف نفسه ببراعة فائقة، وإحاطة
تامة، وعلم غزير .
فن التلاوة
ولم يقتصر علم الطناحي بالقراءات على الجانب النظري منها، بل تعداه إلى فن الأداء، ليدبج فيه مقالات ترجم فيها لبعض
حذاق القراء المهرة، آمقالته :الشيخ مصطفى إسماعيل وقراء مصر، التي تشي بحسن ذوقه واهتمامه بدقائق الأداء، وإلمامه
بالمقامات والغناء والأصوات، مما لا يكاد يقع لكثيرين، وهو في نظري من تمام العلم بالعربية التي هي لغة فن وموسيقى
وإيقاع .
وآية ذلك أن الطناحي ينتقل من الحديث عن القراءات تاريخاً وعلماً، إلى الحديث عنها فناً وأداء، بأصوات القراء
المشهورين، ممن أنعم الله عليهم بحسن الصوت وجمال الأداء .يقول :ويبدو أن لمصر في ذلك تاريخاً قديماً، تأخرنا آثيراً في
آتابة تاريخ قراء مصر، ومكتبتنا العربية خالية من هذا اللون من الكتابة إلا شيئاً يسيراً آتبه الأستاذ محمود السعدني ( وهو
سميع آبير )في أواخر الخمسينيات، سماه : ألحان من السماء ، ثم ما يكتب أشتاتاً متفرقات في بعض المجلات .ثم يذآر ما جاء
من آتاب الأستاذ آمال النجمي عن الشيخ محمد رفعت والشيخ مصطفى إسماعيل، وهو الكتاب الذي يرى أنه جاء مجلى لحياة
الشيخ مصطفى وتقلبه في العالمين .
والحق أن ما أشار إليه الدآتور الطناحي أمر غاية في الأهمية، فالقراء في مصر ظاهرة قوية، لو وجدت في بلاد الغرب
لقامت لها الدنيا وما قعدت، ولأجريت حولها دراسات وأبحاث، وقدمت فيها رسائل جامعية، وأنشئت من أجلها المراآز، وقد
وقفت على هذا عندما أسند إ ليَّ مرآزُ أآسفورد للدراسات الإسلامية عرض آتاب للدآتورة آريستينا نلسون عنوانه : فن تلاوة
القرآن ، وهو رسالة دآتوراة آتبت في صلب هذا الموضوع، ومن حسن الموافقات أن ظهرت على غلاف آتابها ة للشيخ
مصطفى إسماعيل وهو مستغرق في التلاوة وقد وضع آفه على صفحة وجهه، مستغرقاً في الأداء آل الاستغراق !
وتلي هذه المقالة مقالة أخرى نشرتها مجلة الهلال سنة ١٩٩٣، يفرق فيها الطناحي بين القارئ والمقرئ، ويذآر بعض
المقرئين الذين نبغوا في مصر في زمانه، آالشيخ عبد الفتاح القاضي والشيخ إبراهيم علي شحاته والشيخ أحمد عبد العزيز
الزيات .ولكنه يدير مقالته آلها على القراء جمع قارئ، ولا سيما الشيخ عامر عثمان، وبعد التعريف به، ينتقل إلى الكلام عن
تفننه في مجال الأداء الصوتي، ويأتيك من ذلك بأمثلة تدل على حسه المرهف وذوقه الرفيع .
* * * * *
7
الطناحي ومحمود شاآر وصحبة ثلاثين عامًا
لن أبدأ بالحديث عن الشيخ الجليل محمود شاآر، وما آان ينبغي لي أن أفعل، ولكن أترك المجال لتلميذه البار، الدآتور
الطناحي، ليحدث عنه، فهو إليه أقرب، وبه أعرف، فلتصغ إليه أيها القارئ الكريم وهو يقول عن شيخه :لقد عرفت هذا الرجل
معرفة وثيقة خلال ثلاثين عاماً، وخبرت سواده وبياضه، وآاشفني بدخيلة أمره وتقلبه في العالمين، وقد رأيت إنساناً سوياً
واضحاً مكشوفاً، لا يداري ولا يماري، يصرح ولا يكني، ينطق ولا يجمجم، باطنه وظاهره سواء، وهو سعيد مقبل على الحياة،
يستمتع بطيباتها إذا أقبلت، ولا يحفل بها إذا أدبرت، وينعم بما أفاء الله عليه من مكتبة ضخمة عامرة، لم تتيسر لأحد من علماء
عصرنا، قرأها آلها قراءة آتاب واحد، بذلك العقل الذآي الذي يجمع آل شاذة وفاذة، ثم هو سعيد أيضاً بالقلوب التي تجمعت
حوله، طوائف من مختلف البلدان والأعمار والانتماءات، وسعهم هذا البيت الكبير، الذي لم يعرف الرسميات فلم يفتح لهم ساعة
دون ساعة .٢١
وقد آتب الطناحي مقالة أخرى عنوانها محمود محمد شاآر ، بدأها بترجمة للشيخ ضافية، ذ اآراً فيها مناقبه، ومعدداً
مآثره، وما أآثرها، ومنها أن حياته، رحمه الله، سارت في طريقين استويا عنده استواء واضحاً عدلاً، أما أولهما، فطريق العلم
والمعرفة، يعبّ منهما ولا يروى، وأما الثاني، فالتنبه الشديد لما يحاك لأمتنا العربية من آيد ومكر، وما يراد لثقافتها وعلومها
من غياب واضمحلال .ثم عرج إلى إنتاج الشيخ، فذآر أنه دار في ميدانين :التأليف والتحقيق، وأنه آان في آلاهما مشغولاً
بقضية أمته العربية، وما يراد لها من آيد، في عقيدتها ولغتها وشعرها وتراثها آله .قال : وقد أبان عن هذه القضية بياناً شافياً
في آتابيه أباطيل وأسمار و رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ، ثم نثرها فيما دق وجل من آتاباته، وما برح يعتادها في مجالسه
ومحاوراته، يهمس بها حيناً، ويصرخ بها أحياناً، لا تفرحه موافقة الموافق، ولا تحزنه مخالفة المخالف .٢٢
أما حديثي أنا عن الطناحي والشيخ محمود شاآر، فمن حيث انتهى بالشيخ، رحمه الله، الأجل، وما آتبه الطناحي في العدد
التاسع والستين بعد المائة الرابعة من مجلة العربي تحت عنوان : أي شلال هادر توقف ، وذلك أن هذا العنوان الذي اختاره
الطناحي للكتابة عن وفاة الشيخ شاآر يختصر لنا الطريق إلى تبيين نظرة الطناحي لأستاذه الشيخ شاآر، بما يحمله من معاني
ضخمة، تذآرني، من وجه، بالعنوان الذي اختاره مارون عبود للحديث عن المتنبي في آتابه الرؤوس وهو : رأس ضخم .
تلك النظرة التي أبانت عنها هذه المقالة على وجه الخصوص، فما هذا العنوان إلا عبارة لها ما قبلها وما بعدها، وإنني أستسمح
القارئ أن أنقل له مطلع المقالة، فهو، على صلته بموضوعنا، لا يخلو من فائدة، يقول :
في الساعة الخامسة من عصر يوم الخميس ٣ من ربيع الآخر ١٤١٨ هـ - ٧ من أغسطس ١٩٩٧م دُعي محمود شاآر
فأجاب، وبعد نصف ساعة من انتقاله للرفيق الأعلى آنت على رأسه ألقنه الشهادتين، ثم دارت بي الأرض وأنا أنظر إلى هذا
الجسد الساآن وقد صرعه الموت، وهو الذي غالب المحن وصارع الشدائد، فلم تلن له قناة، ولم يخفت له صوت، ولم يرتعش
في يده قلم، حتى جاءه القاهر الذي لا يغلب .ثم نظرت إليه أخرى وقلت :أي صوت مجلجل سكت، وأي شلال هادر توقف، وأي
نبع عذب غاض، وأي نبت مزهر صوّح، وأي رآن جليل ساخ، وأي فارس فاتك ترجل؟ ٢٣
هكذا آانت نظرة الطناحي لمحمود شاآر، نظرة عبر عنها قلمه الذي دبج في شيخه مقالات من أجمل مقالاته، وآيف لا
تكون آذلك وموضوعها هو هذا الرأس الضخم؟ وقد آتبها الطناحي في حياة شاآر وغداة وفاته، وأبان فيها عن تاريخه الحافل
مع العربية :تحصيلاً لها وإحاطة بها، وذوداً عنها، ومنافحة دونها، وآشفاً لأسرارها، مما تفرد به ولم يدانه فيه أحد من أدباء
جيله .ولا جرم إذن أن يكون في نظره آالجاحظ في نظر أبي حيان الذي قال فيه مقارناً بينه وبين ابن العميد : إن مذهب
8
الجاحظ مدبر بأشياء لا تلتقي عند آل إنسان، ولا تجتمع في صدر آل أحد، بالطبع والمنشأ والعمل والأصول والعادة والعمر
والفراغ والعشق والمنافسة والبلوغ .وهذه مفاتح قلما يملكها واحد، وسواها مغالق قلما ينفك منها أحد .ويرى الطناحي أنك إن
قرأت هذا الكلام العالي، وأعطيته حظه من النظر والتأمل، ثم نزلته على محمود شاآر، إن آنت تعرفه معرفته -فستراه مفصلاً
عليه تفصيلاً، ومصروفاً إليه صرفاً .
مجلس الشيخ شاآر
ولنمض قليلاً لنرى وصف الطناحي لمجلس محمود شاآر الذي يشيع أنساً ويتفجر علماً، وقد عمر بطوائف من الناس من
مختلف البلدان والأعمار والانتماءات، ضمهم بيته المفتوح دائماً، وقد خلا من الرسميات والمواعيد المضروبة من قبل ، ومن
هنا فلا يجد الطناحي بأساً أن يكرر ما آتبه في بعض ما آتب من قوله : إنه لم يحظ أحد من أدباء هذا الجيل بمعشار ما حظي به
محمود شاآر، من الالتفاف حوله والأخذ عنه والتأثر به .وينقل الطناحي في هذه المقالة وصف الأستاذ فتحي رضوان لذلك
البيت الشاآري إذ يقول : آان بيته ندوة متصلة لا تنفض، من أعضائها الثابتين :يحيى حقي، إذا حضر من أوروبا، وعبد
الرحمن بدوي، وحسين ذو الفقار صبري، ولم يكن من حظي أن أآون عضواً دائما فيها، فقد آنت ألم بهم أحياناً، فأراهم وأرى
من العالم العربي آله، ومن العالم الإسلامي على تراميه، شخصيات لا حصر لها، تتباين بعضها عن بعض، في الرأي والمظهر
والثقافة واللهجة والشواغل والمطامح، ولكنها تلتقي عند محمود شاآر، تسمع له وتأخذ عنه وتقرأ عليه وتتأثر به .ويمضي
الطناحي ليضيف إلى من ذآرهم الأستاذ فتحي رضوان ممن آانوا يختلفون إلى مجلس الشيخ في الخمسينيات وما قبلها، أسماء
أخرى لأعلام من المفكرين الذين عرفهم في ذلك المجلس العامر، على امتداد الستينيات والسبعينيات، ومنهم :عبد الرحمن
صدقي وعلي أدهم وحسن آامل الصيرفي ومحمود حسن إسماعيل، ومن أعلام العرب :أحمد المانع وناصر الدين الأسد وأحمد
راتب وإحسان عباس وعبد الله الطيب المجذوب وإبراهيم السامرائي وبشار عواد معروف وغيرهم آثير سماهم بأسمائهم، ثم
يتساءل :فهل وجدت هؤلاء قد اجتمعوا يوماً عند أديب من أدباء مصر !ثم يتسع المجلس أيضاً للطلاب المبتدئين والشباب
المعيدين .
دفاع عن الشيخ شاآر
ولئن آان مما عرف واستفاض عن الشيخ محمود شاآر أن فيه حدة، فإن الطناحي يعترف بذلك على مضض، ويحاول أن
يلتمس له مخرجاً، فهو ينكر آل الإنكار أن تكون تلك الحدة نتيجة الإحساس بالفشل، أو ضياع الحياة سدى، آما زعم مناصبو
الشيخ العداء، ولكنها نتيجة لإدراك الرجل لمأساة هذه الأمة العربية التي ورثت مجداً شامخاً أضاعه الورثة من أبنائها .
وآأني به لم يرض من نفسه الوقوف عند ذلك الاعتراف، بل راح ينفي ذلك نفي العارف الواثق، ويرى أنه آذب افتراه
بعض الناس لحاجة في نفوسهم، فهو يذآر أنه صحب محمود شاآر ثلاثين عاماً، وأنه ما زال يذآر أول يوم زاره فيه، قال :
وآنت في صحبة الأخ العلامة الكبير أحمد المانع، أحتمي به من مشاعر الهيبة والخشية والحذر، من تلك الحدة المزعومة في
شخصية محمود شاآر، وهو شعور عرفناه جميعاً قبل أن ندخل البيت، وحين توثقت صلتنا بالشيخ، اآتشفنا زيف هذا الشعور،
وآذب تلك المزاعم التي أشاعها بعض الناس ليصدوا أهل العلم عنه، وإذا نحن أمام قلب طاهر نقي، يغضب ويثور حين يرى
حداً من حدود العلم قد انتهك، أو حين يسمع تطاولاً على تاريخ الأمة العربية وعلومها .
9
وتحت عنوان محمود محمد شاآر والسهام الطائشة آتب الطناحي في مجلة الجيل مقالة يدرأ فيها عن شيخه ما جاء في
العدد الثاني من مجلة الجيل عام ١٩٩٨ من هجوم آاسح أآول على شيخ العربية وحارسها، على وصف الطناحي، تولى آبره
حسين أحمد أمين .
وقد استعرض في هذه المقالة الذين شارآوا فيما شُنَّ على الشيخ شاآر من هجوم بدأ غداة وفاته، فذآر السيدة صافيناز
آاظم، ورأى أنها أول من نقب هذا النقب في آلمة لها بجريدة الدستور بعد وفاة الشيخ بثلاثة عشر يوماً، ثم الأستاذ نسيم مجلي
الذي آتب آتاباً نشره بالأهالي، سماه :صدام الأصالة والمعاصرة – محمود شاآر ولويس عوض، ثم الأستاذ سمير غريب في
آتابه الذي صدر أخيراً عن دار الشروق بعنوان في تاريخ الفنون الجميلة )، ونقد في الصفحة ٧٩ منه مقالاً للأستاذ محمود
شاآر، نشره في مجلة الرسالة سنة ١٩٤٠ ورد فيه على الدآتور طه حسين آلمة له عن الفن الفرعوني، وصولاً إلى الأستاذ
حسين أحمد أمين الذي حظي بنصيب الأسد من رد الطناحي في هذه المقالة .
فأما الأستاذة صافيناز فلم يستطرد الطناحي في مناقشتها، لأنه يرى في آتاباتها في السنوات الأخيرة وجوهاً من الخير
ينبغي أن نستبقيها وأن نستزيد منها ، ولأنه رأى أن ثورتها ترجع إلى مقابلة جافة من الشيخ لها، ومع ذلك فقد أنشدها قول أبي
العلاء :
لا تظلموا الموتى وإن طال المدى إني أخافُ عليكم أن تلتقوا
ثم قول أبي العتاهية :
إلى الديان يومَ العرض نمضي وعند الله تجتمعُ الخصومُ
وأما الأستاذ نسيم مجلي، فقد ذآّره بكتابه الآخر في القضية نفسها :لويس عوض ومعارآه الأدبية، وهو آتاب أهداه إلى
الشيخ محمود شاآر في حياته وآتب بخطه : إلى الصديق الكبير الذي أحببته آثيراً، واختلفت معه آثيراً، وتعلمت منه الكثير،
إلى الأستاذ محمود شاآر بطل هذه المعارك ومفجرها، مع أجمل أمنياتي .ُويتبع الطناحي هذا بقوله : فلما غاب وجه محمود
شاآر بالموت، رتع نسيم مجلي في لحمه، وإذا الذي آان همساً صار صراخاً، والذي آان تلميحاً أضحى تصريحًا ...، ثم تعجب
من موقف مجلي هذا وذآره باستقبال الشيخ محمود له وحفاوته به وتوديعه له على باب المصعد، وقوله له :ابقى تعال يا نسيم،
قال الطناحي :وهي آلمة حانية من الشيخ لا يقولها إلا لمن يحبه ويوده، قال :ويا ليته آان قد قالها للأستاذة صافيناز ( وآنا
خُلُصنا ).٢٤ ثم ينشد نسيماً قول أبي العلاء :
فيسمعُ مني سجعَ الحمام وَأسمعُ منه زئير الأسد
ثم يرد على الأستاذ سمير غريب، ويقول له مقولة للإمام علي رضي الله عنه عن امرأة آانت قالت آلاماً لا يُظنّ أن يكون منها :
أما والله ما قالته، ولكن قُولته .
وقبل أن نشرع في بيان رد الطناحي على ما قاله الأستاذ حسين أحمد أمين، نحب أن نسوق للقارئ ما قاله في أولئك الذين
تربصوا بالرجل حتى طواه الموت، ثم راحوا يُصَوِّبون إليه سهامَ نقدهم، ومنهم حسين أحمد أمين، ذلك أن قوله يبين مدى
انتصاره لشيخه واستخفافه بمن نالوا منه، ويظهر قدراً غير يسير من القدرة على التهكم واستحضار الشواهد الشعرية ووضعها
في مواضعها آما مر بيانه .يقول : ما هذا يا قوم؟ أتهاجمون الرجل بعد أن غيبه القبر؟ لماذا لم تردوا على الشيخ آلامه في
حياته؟ ما أظن إلا أنكم خفتم أن يأخذ بأآظامكم، ويأتيكم من فوقكم ومن أسفل منكم، فتزيغ أبصارآم آالذي يغشى عليه من
الموت، ثم يترآم فإذا أنتم ضُحكة الضاحك وهزءة المستهزئ، فننشدآم قول طرفة بن العبد :
10
يا لك من قبرة بمَعْـَـــمــــــــــِر
خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقــــــــري ما شئت أن تنقري
قد رحـــل الصياد عنك فابشري
ورفع الفــــخ فماذا تحــــــذري؟
ثم ننشدآم أيضاً قول المهلهل بن ربيعة يرثي أخاه آليباً الذي آان يضرب به المثل في العزة المتناهية، وآان من خبره أنه إذا
حضر مجلسه الناس لا يجسر أحد أن يفخر أو يجاذب، إعظاماً لقدره وإجلالاً لشأنه، فلما مات قال المهلهل :
نبئت أن النار بعدك أوقــدت واستب بعـدك يا آليب المجلــس
وتكلموا في أمر آل عظيمة لو آنت حاضر أمرهم لم ينبسوا


اقرأ أيضا::


lug,lhj ltd]m hgughlm hg];j,v lpl,] lpl] hg'khpd>>>>>>>aowdhj lk hgjhvdo>>>hil hgaowdhj hgjhvdodi> hg];j,v lpl,] lpl] hg'khpdaowdhj hgjhvdohil hgaowdhj



رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية (Tags)
العلامة, الدكتور, محمود, محمد, الطناحيشخصيات, التاريخاهم, الشخصيات, التاريخيه

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


معلومات مفيدة العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي.......شخصيات من التاريخ...اهم الشخصيات التاريخيه.

سياسةالخصوصية


الساعة الآن 04:07 PM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2019 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Content Relevant URLs by vBSEO