#1  
مدير عام
 
تاريخ التسجيل: May 2018
المشاركات: 13,700
افتراضي التقاعس وأسبابه , اسباب التقاعس




بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
تراجع أحوال سير المسلم إلى الله :
أيها الأخوة الكرام ؛ معظم خطب الجمعة توجه إلى مجموع المسلمين ، ولكن هذه الخطبة ليست موجهة إلى مجموع المسلمين ، ولا إلى رواد المساجد حصراً ، بل إلى السالكين إلى الله ، هؤلاء السالكون إلى الله معظمهم يشكو أن أحواله تراجعت ولم تكن كالتي كانت في أول سيره إلى الله عز وجل .
أخطر ما في الموضوع أن يقصر الإنسان ، وأن يقنع نفسه أن تقصيره له سبب وعذر مقبول عند الله عز وجل ، هنا المشكلة ، فالإنسان يبتغي التوازن ، فإذا اختل توازنه يعلل هذا التوازن بحجة ، هل أنت متأكد أن هذه الحجة التي تطرحها مقبولة عند الله عز وجل ؟ قد يكون الأمر على خلاف ذلك ، فمن هذه الحجج التي يطرحها الإنسان حينما تفتر همته ، أن يقول : كبرت سني ، ولي في العمل الصالح باع طويل ، ألم يدرك أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
[ سورة الحجر : 99]
واليقين هو الموت ، لأن الإنسان باليقين يتيقن من أحقية الموت ، ومن أحقية ما بعد الموت .
من استقرت حياته على طاعة الله فقد أفلح و فاز :
أيها الأخوة الكرام ؛ في موضوع هذه الخطبة حديث أساسي هو أن النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((لكل عمل شرةٌ ))
[أحمد عن عبد الله بن عمر]
أي فورة ، والذي يتوب حديثاً يشعر بمعنى ما أقول ، لكل عمل شرة أي فورة ، يعيش بأحوال لا تصدق ، يشعر بسعادة لا توصف ، يشعر بإقبال على الله عز وجل فلا يتراجع، بعد حين يشكو ضعف هذه الأحوال ، يقول عليه الصلاة والسلام :
((لكل عمل شرة ولكل شرة فترة ))
[أحمد عن عبد الله بن عمر]
بعدئذٍ هذه الفورة تفتر .
((فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح))
[أحمد عن عبد الله بن عمر]
أي استقرت حياته على طاعة الله ، استقرت طاعته على أداء العبادات ، استقرت حياته على الالتزام بمنهج الله عز وجل ، قال :
((ومن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك ))
[أحمد عن عبد الله بن عمر]
بعد هذه الفورة ، إن أعقب هذه الفورة فترة إلى مخالفات ، إلى بدع ، إلى مصالح، إلى لذائذ ، إلى شهوات فقد هلك ، ولم تنفعه تلك الفورة ، وتلك الشرة ، الحديث مرة ثانية :
((لكل عمل شرةٌ ))
[أحمد عن عبد الله بن عمر]
فورة ـ تماماً ولو كنت في جو شديد البرودة ثم دخلت إلى غرفة دافئة ، في الدقائق الأولى تشعر بقيمة الدفء لكن بعد حين يصبح الدفء شيئاً اعتيادياً وتتفاعل معه ، وتقبله ، وكأنه ليس هناك من نعمة الدفء ، أو قد تكون في جو حار تدخل إلى مكان مكيف ، في البدايات تشعر بقيمة هذه النعمة ، استمرار هذه النعمة تضعف تأثيرها ، هذا هو المعنى السليم للشرة والفورة والفترة ، ولكن إذا نقلت الشرة صاحبها إلى فترة متلبسة بالمعاصي فهنا الطامة الكبرى .
العمل الصالح علة وجود الإنسان على وجه الأرض بعد معرفة الله :
أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الحسن البصري : " لم يجعل الله للعبد أجلاً في العمل الصالح دون الموت ".
من أجل أن تبقى الهمة عالية ، قد تفتر الأحوال ولكن لابد من همة عالية للعمل الصالح ، لأن العمل الصالح بعد أن تعرف الله عز وجل هو علة وجودك على وجه الأرض، بدليل أن الإنسان حينما يأتيه ملك الموت لا يتمنى إلا شيئاً واحداً :
﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾
[ سورة المؤمنون : 99-100]
في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن ورقة بن نوفل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً " مع كبر سنه وذهاب بصره تمنى أن يكون قوياً فيكون نفعه أكبر وأثره أكثر .
وفي قول الله عز وجل :
﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾
[ سورة التوبة : 41]
أي وأنت شاب في ريعان الشباب ، وأنت متقدم في السن ، تخطو خطوات بطيئات:
﴿ انْفِرُوا خِفَافًا ﴾
[ سورة التوبة : 41]
أي شباباً :
﴿ وَثِقَالًا ﴾
[ سورة التوبة : 41]
شيوخاً .
يروى أيها الأخوة أن أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه قرأ في سورة براءة هذه الآية
﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾
[ سورة التوبة : 41]
فقال : أرى ربنا عز وجل يستنفرنا شيوخاً وشباباً جهزوني أي بني ، فقال بنوه : قد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فنحن نغزو ؟ فقال: جهزوني فركب البحر فمات ، فلم يجدوا له جزيرة إلا بعد سبعة أيام فقبر بها ولم يتغير :
﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾
[ سورة التوبة : 41]
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
[ سورة الحجر : 99]
الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال : " طلب الراحة في الدنيا لا يصلح لأهل المروءات ، فإن أحدهم لم يزل تعباناً في كل زمان ". ألم تقل السيدة خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن جاءه الوحي خذ قسطاً من الراحة ، فماذا قال لها ؟ قال لها : " انقضى عهد النوم يا خديجة " :
﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾
سئل بعض الزهاد عن سبيل المسلم ليكون في صفوة الله عز وجل ، فقال : إذا خلع الراحة وأعطى المجهود في الطاعة . وقيل للإمام أحمد متى يجد العبد طعم الراحة ؟ قال : " عند أول قدم يضعها في الجنة " أي لا راحة لمؤمن إلا بلقاء وجه ربه ، لأن الدنيا دار عمل ، لأن الدنيا دار ابتلاء ، لأن الدنيا دار تكليف ، والآخرة دار تشريف ، والآخرة دار جزاء ، والآخرة دار راحة .
أيها الأخوة الكرام ؛ سئل حذيفة رضي الله تعالى عنه عن ميت الأحياء فقال : " الذي لا ينكر المنكر بيده ، ولا بلسانه ، ولا بقلبه " أي تقاعد عن العمل الصالح ، هذا عذر أيها الأخوة ؟ التقدم في السن وله باع طويل في الدعوة والعمل الصالح يميل إلى الراحة وإلى ترك الأعمال الصالحة لأنه قدم منها الشيء الكثير ؟ هذه حجة ليست مقبولة عند الله عز وجل للسالكين إليه .
العمل المهني خسارة محققة إذا استهلك وقت الإنسان كله :
أيها الأخوة الكرام ؛ بعض الناس يتعلل بطلب الرزق ، وقد يستغرق طلب الرزق كل وقته ، وحينما يعلم أن له في الحياة الدنيا مهمة هي أن يعرف الله عز وجل ، وأن يحمل نفسه على طاعته ، وعلى التقرب إليه ، فطلب الرزق إن استغرق كل وقته كان خسارة كبيرة ، لأنه عطل الهدف الذي من أجله خلق ، وكثيراً ما أسمع أن إنساناً عمله استغرقه كله ، عمله استغرق كل وقته ، عمله لم يبقِ له ساعة يتقرب فيها إلى الله مع حفاظه على الطاعات ، مع حفاظه على حدود الله ، ولكن أمخلوق أنت للدنيا فقط ؟ لا بد من أن يكون لك ساعة تتقرب فيها إلى الله ، لابد من ساعة تأمر فيها بالمعروف وتنهى بها عن المنكر ، لا بد من ساعة تفعل عملاً صالحاً تبتغي به وجه الله تعالى ، وأقول لكم أيها الأخوة أن العمل المهني إذا استغرق كل الوقت ففيه خسارة محققة . يقول عليه الصلاة والسلام :
(( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها ، فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب ))
[ ابن ماجه وأبو نعيم في الحلية والحاكم وابن حبان عن جابر]
أحياناً الإنسان يترك عمله في بلده وله منه رزق يكفيه أو أقل مما يكفيه ويغادر ويدع زوجته وأولاده بلا موجه ، وبلا رقيب ، من أجل مبلغ بسيط ضيع من أجله أسرته ، وضيع من أجله طلبه للعلم ، حينما يكون طلب العلم هدفاً واضحاً ، وحينما يكون التقرب إلى الله عز وجل هدفاً واضحاً يقيم موازنات صحيحة .
يقول بعض العلماء : " قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده" كلمة دقيقة سيشرحها ، وعاء ممتلئ ماء إن أردت أن تملأه زيتاً لابد من إفراغ الماء وصب الزيت ، هذا في الماديات ، في الذوات والأعيان ، وهذه الحقيقة تنسحب على الاعتقادات والإرادات ، فإذا كان القلب ممتلئاً بالباطل اعتقاداً ومحبة لم يبقَ فيه مكان لاعتقاد الحق ومحبته ، واللسان إذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع لن يتمكن صاحبه أن ينطق بلسانه بما ينفع ، والجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لن تتمكن أن تشغلها بالطاعة إلا إذا فرغتها من ضدها ، كذلك القلب المشغول بمحبة غير الله وإرادته والشوق إليه والأنس به لا يمكن أن تشغله بمحبة الله وإرادته وحبه والشوق إلى لقائه إلا بتفريغه من تعلقه بذلك ، أي ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، نفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر ، من أحبّ دنياه أضر بآخرته . إذاً حتى لو كان العمل مباحاً ، حتى لو كان العمل طلب رزق ، لا بد من أن يكون لك وقت لا تتساهل فيه أبداً تخلو فيه مع نفسك ، تناجي ربك ، تذكر الله عز وجل بطريقة أو بأخرى . قال بعضهم وهو الإمام مالك : بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج همّ الآخرة من قلبك ، وبقدر ما تحزن للآخرة كذلك يخرج همّ الدنيا من قلبك ، ما الذي يهمك الدنيا أم الآخرة ؟ يقول عليه الصلاة والسلام بما يروى عنه :
(( من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه ، وجمع الله عليه شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه ، وفرق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له))
[ الترمذي عن أنس ]
وهذا المعنى واضح جداً في قوله تعالى :
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة النور : 36-37]
المؤمن متأن لا يسمح لنشاط واحد أن يصرفه عن مهمته الأساسية :
أيها الأخوة الكرام ؛ في بعض آيات القرآن الكريم ملمح رائع يقول عز وجل :
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
[ سورة الفرقان : 63 ]
أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا سار أسرع ، وإذا سار كأنما ينحط من صبب ، وروي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت : " ما رأيت أزهد من عمر كان إذا سار أسرع " هنا الآية :
﴿ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
[ سورة الفرقان : 63 ]
قال بعض علماء التفسير : المؤمن متأن لا يسمح للدنيا أن تأخذه ، لا يسمح لمشكلات حياته أن تنسيه مهمته في معرفة ربه ، لا يسمح لقضية جانبية أن تستحوذ عليه ، يعطي كل ذي حق حقه ، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار ، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل :
﴿ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
[ سورة الفرقان : 63 ]
أي يعطي لكل نشاط من نشاطاته الوقت المناسب ، لكن لا يسمح لنشاط واحد ولو كان مباحاً أن يأخذه كله ، أن يستحوذ عليه ، أن يصرفه عن مهمته الأساسية .
لا مؤاثرة في الخير :
أيها الأخوة الكرام ؛ هناك أعذار كثيرة يضعها بعض السالكين إلى الله ظناً منهم أنها عند الله مقبولة ، مثلاً لو قال أحدهم : أنا أفسح المجال لغيري يا أخي ، نقول له : لا مؤاثرة في الخير لكن الخير كله في المؤاثرة ، أن تؤثر أخاً لك على قربك إلى الله ظناً منك أن لك عند الله أعمالاً كثيرة ، وأنها مقبولة ، وأنت قد اكتفيت من العمل الصالح إذاً تفسح المجال لغيرك ، هذا كلام مرفوض قطعاً ، لا مؤاثرة في الخير ، والدليل على ذلك قول الله عز وجل :
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾
[ سورة المطففين : 26]
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة آل عمران : 133 ]
﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾
[ سور المؤمنون : 61]
وكان عمر رضي الله عنه يحاور جاهداً مسابقة أبي بكر في الخير .
أيها الأخوة الكرام ؛ أن تقول : أنا سأفسح المجال لغيري ، أنا تقاعدت ، هناك شباب متوثبون إلى العمل الصالح ، سأعطيهم فرصة ، هذا كلام يخالف منطوق الآيات الثلاث، ويخالف القاعدة الأساسية أنه : لا مؤاثرة في الخير ، لو أننا قبلنا المؤاثرة في الخير لترك العمل الصالح .
الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم :
أيها الأخوة الكرام ؛ حتى لو توهمت أن الدعوة إلى الله من اختصاص خطباء المساجد ، والعلماء الكبار ، والشخصيات اللماعة في الأرض ، هذا وهم أيضاً ، إن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم ، فرض عين على كل مسلم ، لأن الله عز وجل يقول :
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
[ سورة يوسف : 108]
فالذي لا يدعو إلى الله على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، دائماً عندنا قاعدة أن المقصر لا يرى تقصيره لكنه يحمله لجهة ، والآن الجهة الوحيدة التي تحمل كل أخطاء الأمة العلماء ، هو ليس مستعداً أن يفعل شيئاً ، ولا أن يتحرك ، ولا أن يضبط نفسه ، ولا أهله ، ولا بناته ، ولا أولاده ، واللوم كله على العلماء ، إلقاء اللوم على الآخرين شيء مريح ، يعفي الإنسان من اختلال توازنه الداخلي ، ويريح نفسه من العمل لاستعادة التوازن ، أما هذا فسلوك غير مقبول أبداً ، لو أن كل الذين حولك خاطئون هل خطأهم ينجيك من حساب الله عز وجل ؟ لو أن كل الذين حولك كاذبون هل هذا يعفيك من المسئولية ؟ لذلك سلوك إلقاء اللوم على الآخرين والتنصل من المسئولية هذا سلوك لا يقبله الله عز وجل أبداً .
انشغال المقصر بأخطاء غيره و نسيان نفسه :
هناك أحياناً مسلك آخر يسلكه المقصرون ، هو ينشغل بنقد الآخرين ، أخطاؤه لا يراها أبداً ، ولا ينتبه إليها ، ولا يدقق فيها ، كل همه أن ينتقد هذا الخطيب ، وهذا العالم ، وهذا الداعية ، ويرى متعة بالغة في كشف الأخطاء ، وتوضيح العيوب ، بل يستخدم المكبر لتكبير الأخطاء الصغيرة ، ولا يرى الجذع في عينه ، يرى قشة في عين أخيه ولا يرى جذعاً في عينه ، سلوك تحميل أناس معينين كل أخطاء الأمة سلوك مضحك ، وسلوك ساذج ، ثم إن الانشغال بالنقد دون أن توجه النقد إلى ذاتك هذا أيضاً مرض ينبغي أن يتبرأ منه طلاب العلم السالكون إلى الله عز وجل . قال الأوزاعي : " المؤمن يقول قليلاً ويعمل كثيراً ، والمنافق يتكلم كثيراً ويعمل قليلاً ". من أعراض هذا المرض : المبالغة والتهويل ، فالإنسان إذا بالغ في أي شيء فقد مصداقيته ، قد يبالغ بأخطاء الآخرين وقد يبالغ في تقليل أخطائه ، وقد يكون خطؤه أكبر خطأ يرتكبه بالقياس لمن حوله .



احترام المقصر للشخصيات المتقاعسة و جعلها مثله الأعلى :
شيء آخر أيها الأخوة هو أن المقصر أحياناً يبرز ويجل ويحترم شخصية متقاعسة، وكأن هذه الشخصية مثله الأعلى ، وهذا خطأ آخر ، ينبغي أن تجعل مثلك الأعلى الشخصيات المتفوقة ، المقربة إلى الله عز وجل ، أما هذا المتقاعس فلا ينبغي أن يكون قدوة لك ، لذلك حينما تثني على هؤلاء المتقاعسين وتصفهم بالتعقل الشديد ، وبالمرونة ، وبالموضوعية ، وأنهم يفهمون ماذا يفعلون وهم في الحقيقة متقاعسون ، إنك بهذا تخدر نفسك عن أن تكون في طريق الأبطال سائراً . يقول الله عز وجل :
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾
[ سورة غافر : 52]
هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالتقصير كل هذه الأعذار لا تنفعهم يوم القيامة . يقول أحد أصحاب الإمام أحمد : صحبته عشرين سنة صيفاً وشتاء ، وحراً وبرداً ، وليلاً ونهاراً ، فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس . من لم يكن في زيادة فهو في نقصان .
من كمال شخصية المؤمن أنه يصغي إلى النقد :
شيء آخر أيها الأخوة : هناك نمط عنده حساسية مرهفة للنقد ، فإذا انتقد بأي شيء ترك العمل الصالح ، لو أن إنساناً دخل كلية الطب ، وعلق الآمال الكبيرة على أن يكون في المستقبل طبيباً ، لو أن واحداً من الطلاب انتقده هل يرد عليه بترك الكلية ؟ مستحيل ، فهذا الذي لملاحظة من أخ ترك المسجد ، ولتعليق قد لا يعجبه من آخر ترك العمل الصالح ، ولأنه دعا إلى الله فاتهم أنه يحب أن يجمع الناس حوله ، فلغى الدعوة إلى الله ، هذا أيضاً نموذج مريض ، أنت حينما يكون هدفك واضحاً لا تعبأ بقول أحد ، فمن عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به .
سيدنا عمر يقول : " رحم الله امرأ أهدى إلينا عيوبنا " من كمال شخصية المؤمن أنه يصغي إلى النقد . سيدنا عمر بن عبد العزيز جاء لمولاه مزاحم ، قال له : يا مزاحم إن الولاة جعلوا العيون على العوام ، وأنا أجعلك عيني على نفسي ، فإن رأيتني ضللت أو سمعت مني كلمة تربأ بي عنها ، أو فعلاً لا تحبه، فأمسكني من تلابيبي وهزني هزاً عنيفاً وقل لي : اتقِ الله يا عمر فإنك ستموت . يجب أن تقبل النقد ولو كان جارحاً ، لأن الذي ينتقد يرفعك ، بينما الذي يمدحك تقرباً إليك يجعلك في مكان لا ترقى به .
بلال قال لصاحبه : بلغني أن المؤمن مرآة أخيه هل تستريب من أمري شيئاً بربك انصحني ؟
عالم آخر يقول : قولوا لي ما أكره في وجهي ، لأن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره ، بينك وبينه قل : هذا العمل مخالف للسنة ، هذا العمل لا يرضي الله .
ويقول بعض السلف : من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العلماء ، وأن يجمع إلى عقله عقول الحكماء ، فالرأي الفذ ربما زلّ ، والعقل الفرد ربما ضلّ ، هذه :
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[ سورة آل عمران : 159 ]
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾
[ سورة الشورى : 38 ]
أيها الأخوة : وهناك أشخاص إذا لم تمدحهم ، ولم تعلِ قدرهم ، ولم تضعهم في الصف الأول ، ولم تبجلهم ، ولم تخاطبهم بألقاب عالية ، ينصرفون عن العمل الصالح ، وكأنهم يعبدون ذواتهم من دون الله ، هذه كلها أمراض يقع بها أحياناً طلاب العلم ، وقد قلت في مطلع الخطبة : أنا لا أوجه هذه الخطبة لعامة الناس ، ولا لرواد المساجد غير الملتزمين ، ولكن أوجهها إلى السالكين إلى الله عز وجل .
أيها الأخوة الكرام ؛ يقول بعض العلماء : فقه اللسان بلا عمل القلب لا يخطيك إلى الحق خطوة ، والسير سير القلب .
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان : 9]
أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
السير إلى الله هو سير القلب :
أيها الأخوة الكرام ؛ لسيدنا عمر بن الخطاب كلمة رائعة يقول : " تعاهد قلبك " لأن السير إلى الله هو سير القلب ، ولأن الله عز وجل يقول :
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء :88-89]
والقلب السليم الذي ينفعك وحده يوم القيامة هو القلب الذي سلم من شهوة لا ترضي الله ، وسلم من تصديق خبر يتناقض مع وحي الله ، وسلم من عبادة غير الله ، وسلم من تحكيم غير شرع الله .
أيها الأخوة الكرام ؛ لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه ، والله سبحانه وتعالى موجود وواحد وكامل وسميع ومجيب .
الدعاء :
اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعزُّ من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، و،صلح لنا دُنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تُنسنا ذكرك يا رب العلمين . اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد سخياً رخيّاً وسائر بلاد المسلمين . اللهم نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عُضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، مولانا رب العالمين . اللهمَّ بفضلك ورحمتك أَعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .
والحمد لله رب العالمين






اقرأ أيضا::


hgjrhus ,Hsfhfi < hsfhf

رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية (Tags)
وأسبابه, التقاعس, اسباب

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 01:40 AM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2019 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Content Relevant URLs by vBSEO