#1  
الصورة الرمزية images
مدير عام
 
تاريخ التسجيل: May 2021
المشاركات: 11,832
افتراضي قصة امرأة العزيز مع سيدنا يوسف




قصة امرأة العزيز مع سيدنا يوسف
قصة امرأة العزيز مع سيدنا يوسف

قصة امرأة العزيز مع سيدنا يوسف

قصة يوسف من أحسن القصص بنص القرآن وبالتالي فقصته مع امرأة العزيز هي أعظم قصص اليقين بالله والأعتماد عليه فضلاً عن الحب والغدر والانتقام ثم الإنابة والرجوع إلي الله تعالي.
قال تعاليقصة امرأة العزيز مع سيدنا يوسفنَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ *3* )- يوسف
قال صاحب الظلال ما مختصره:
إن القصة تعرض شخصية يوسف - عليه السلام - وهي الشخصية الرئيسية في القصة - عرضا كاملا فيكل مجالات حياتها , بكل جوانب هذه الحياة , وبكل استجابات هذه الشخصية في هذه الجوانب وفي تلك المجالات . وتعرض أنواع الابتلاءات التي تعرضت لها تلك الشخصية الرئيسية في القصة ; وهي ابتلاءات متنوعة في طبيعتها وفي اتجاهاتها . . ابتلاءات الشدة وابتلاءات الرخاء . وابتلاءات الفتنة بالشهوة , والفتنة بالسلطان . وابتلاءات الفتنة بالانفعالات والمشاعر البشرية تجاه شتى المواقف وشتى الشخصيات . . ويخرج العبد الصالح من هذه الابتلاءات والفتن كلها نقيا خالصا متجردا في وقفته الأخيرة.
ثم قال . . وتتعامل القصة مع النفس البشرية في واقعيتها الكاملة . متمثلة في نماذج متنوعة:نموذج يعقوب الوالد المحب الملهوف والنبي المطمئن الموصول . . ونموذج إخوة يوسف وهواتف الغيرة والحسد والحقد والمؤامرة والمناورة , ومواجهة آثار الجريمة , والضعف والحيرة أمام هذه المواجهة , متميزا فيهم أحدهم بشخصية موحدة السمات في كل مراحل القصة ومواقفها . . ونموذج امرأة العزيز بكل غرائزها ورغائبها واندفاعاتها الأنثوية , كما تصنعها وتوجهها البيئة المصرية
الجاهلية في بلاط الملوك , إلى جانب طابعها الشخصي الخاص الواضح في تصرفها وضوح انطباعات البيئة . . ونموذج النسوة من طبقة العلية في مصر الجاهلية ! والأضواء التي تلقيها على البيئة , ومنطقها كما يتجلى في كلام النسوة عن امرأة العزيز وفتاها , وفي إغرائهن كذلك ليوسف وتهديد امرأة العزيز له في مواجهتهن جميعا . وما وراء أستار القصور ودسائسها ومناوراتها , كما يتجلى في سجن يوسف بصفة خاصة . . ونموذج "العزيز" وعليه ظلال طبقته وبيئته في مواجهة جرائم الشرف من خلال مجتمعه ! . . ونموذج "الملك" في خطفة يتوارى بعدها كما توارى العزيز في منطقة الظلال بعيدا عن منطقة الأضواء في مجال العرض المتناسق . . وتبرز الملامح البشرية واضحة صادقة بواقعية كاملة في هذا الحشد من الشخصيات والبيئات , وهذا الحشد من المواقف والمشاهد , وهذا الحشد من الحركات والمشاعر . .
ولنتابع معاً هذه القصة وخصوصاً ما جاء عن يوسف عليه السلام وامرأة العزيز.
قصة امرأة العزيز مع سيدنا يوسف
كيد أخوة يوسف له:
قال تعالي:"لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين . إذ قالوا:ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا - ونحن عصبة - إن أبانا لفي ضلال مبين ! اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم , وتكونوا من بعده قوما صالحين ! قال قائل منهم:لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب , يلتقطه بعض السيارة - إن كنتم فاعلين ! - قالوا:يا أبانا , مالك لا تأمنا على يوسف , وإنا له لناصحون . أرسله معنا غدا يرتع ويلعب , وإنا له لحافظون ! قال:إني ليحزنني أن تذهبوا به , وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون . قالوا:لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون . فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب , وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون . وجاءوا أباهم عشاء يبكون , قالوا:يا أبانا , إنا ذهبنا نستبق , وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب , وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين . وجاءوا على قميصه بدم كذب , قال:بل سولت لكم أنفسكم أمرا , فصبر جميل , والله المستعان على ما تصفون "- يوسف. .
قال في الظلال ما مختصره:
وهكذا استسلم الوالد الحريص لهذا التوكيد ولذلك الإحراج . . ليتحقق قدر الله وتتم القصة كما تقتضي مشيئته !
والآن لقد ذهبوا به , وها هم أولاء ينفذون المؤامرة النكراء . والله سبحانه يلقي في روع الغلام أنها محنة وتنتهي , وأنه سيعيش وسيذكر إخوته بموقفهم هذا منه وهم لا يشعرون أنه هو:
*فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب . وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون*. .
فقد استقر أمرهم جميعا على أن يجعلوه في غيابة الجب , حيث يغيب فيه عنهم . وفي لحظة الضيق والشدة التي كان يواجه فيها هذا الفزع , والموت منه قريب , ولا منقذ له ولا مغيث وهو وحده صغير وهم عشرة أشداء . في هذه اللحظة البائسة يلقي الله في روعه أنه ناج , وانه سيعيش حتى يواجه إخوته بهذا الموقف الشنيع , وهم لا يشعرون بأن الذي يواجههم هو يوسف الذي تركوه في غيابة الجب وهو صغير .
ثم قال:
وندع يوسف في محنته في غيابة الجب , يؤنسه ولا شك ما ألقى الله في روعه ويطمئنه , حتى يأذن الله بالفرج . ندعه لنشهد إخوته بعد الجريمة يواجهون الوالد المفجوع:
وجاءوا أباهم عشاء يبكون , قالوا:يا أبانا , إنا ذهبنا نستبق , وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب . وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين . وجاءوا على قميصه بدم كذب , قال:بل سولت لكم أنفسكم أمرا , فصبر جميل , والله المستعان على ما تصفون . .
لقد ألهاهم الحقد الفائر عن سبك الكذبة , فلو كانوا أهدأ أعصابا ما فعلوها منذ المرة الأولى التي يأذن لهم فيها
يعقوب باصطحاب يوسف معهم ! ولكنهم كانوا معجلين لا يصبرون , يخشون ألا تواتيهم الفرصة مرة أخرى . كذلك كان التقاطهم لحكاية الذئب المكشوفة دليلا على التسرع , وقد كان أبوهم يحذرهم منها أمس ,
..وهم ينفونها , ويكادون يتهكمون بها . فلم يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصباح ليتركوا يوسف للذئب الذي حذرهم أبوهم منه أمس ! وبمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه بدم كذب لطخوه به في غير إتقان , فكان ظاهر الكذب حتى ليوصف بأنه كذب . .
فعلوا هذا .
وجاءوا أباهم عشاء يبكون , قالوا:يا أبانا , إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ويحسون أنها مكشوفة , ويكاد المريب أن يقول خذوني , فيقولون: *وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين*. .
أي وما أنت بمطمئن لما نقوله , ولو كان هو الصدق , لأنك تشك فينا ولا تطمئن لما نقول .
وأدرك يعقوب من دلائل الحال , ومن نداء قلبه , أن يوسف لم يأكله الذئب , وأنهم دبروا له مكيدة ما . وأنهم يلفقون له قصة لم تقع , ويصفون له حالا لم تكن , فواجههم بأن نفوسهم قد حسنت لهم أمرا منكرا وذللته ويسرت لهم ارتكابه ;
وأنه سيصبر متحملا متجملا لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو , مستعينا بالله على ما يلفقونه من حيل وأكاذيب:
*قال:بل سولت لكم أنفسكم أمرا , فصبر جميل , والله المستعان على ما تصفون*.
قصة امرأة العزيز مع سيدنا يوسف
يوسف في بيت امرأة العزيز:
وتمضي قصة يوسف كما أرداها الله وجاءت سيارة - أي قافلة – فوجدوه ثم باعوه بيع الرقيق وبثمن بخس وكانوا فيه من الزاهدين
قال تعالي قصة امرأة العزيز مع سيدنا يوسفقال الذي اشتراه من مصر لامرأته:أكرمي مثواه , عسى أن ينفعا أو نتخذه ولدا . وكذلك مكنا ليوسف في الأرض , ولنعلمه من تأويل من الأحاديث , والله غالب على أمره , ولكن أكثر الناس
لا يعلمون )- يوسف
قال صاحب الظلال ما مختصره:
إن السياق لا يكشف لنا حتى الآن عمن اشتراه , وسنعلم بعد شوط في القصة أنه عزيز مصر [ قيل:إنه كبير وزرائها ] ولكن نعلم منذ اللحظة أن يوسف قد وصل إلى مكان آمن , وان المحنة قد انتهت بسلام , وأنه مقبل بعد هذا على خير.
تم تتابع أحداث القصة وسخونتهاعندما يدخل يوسف بيت امرأة العزيز
قال في الظلال ما مختصره:
والآن نشهد ذلك المشهد العاصف الخطير المثير كما يرسمه التعبير:
وراودته التي هو في بيتها عن نفسه , وغلقت الأبواب وقالت:هيت لك ! قال:معاذ الله . إنه ربي أحسن مثواي . إنه لا يفلح الظالمون - ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه . كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء . إنه من عبادنا المخلصين - واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر , وألفيا سيدها لدى الباب . قالت:ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ? إلا أن يسجن أو عذاب أليم . قال:هي راودتني عن نفسي . وشهد شاهد من أهلها . إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ; وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين . فلما رأى
قميصه قد من دبر قال:إنه من كيدكن . إن كيدكن عظيم . يوسف أعرض عن هذا , واستغفري لذنبك , إنك كنت من الخاطئين . .
إن السياق لم يذكر كم كانت سنها وكم كانت سنه ; فلننظر في هذا الأمر من باب التقدير .
لقد كان يوسف غلاما عندما التقطته السيارة وباعته في مصر . أي إنه كان حوالي الرابعة عشرة تنقص ولا تزيد . فهذه هي السن التي يطلق فيها لفظ الغلام , وبعدها يسمى فتى فشابا فرجلا . . . وهي السن التي يجوز فيها أن يقول يعقوب: *وأخاف أن يأكله الذئب*. . وفي هذا الوقت كانت هي زوجة , وكانت وزوجها لم يرزقا أولادا كما يبدو من قوله: *أو نتخذه ولدا*. . فهذا الخاطر . . خاطر التبني . . لا يرد على النفس عادة إلا حين لا يكون هناك ولد ; ويكون هناك يأس أو شبه يأس من الولد . فلا بد أن تكون قد مضت على زواجهما فترة , يعلمان فيها أن لا ولد لهما . وعل كل حال فالمتوقع عن رئيس وزراء مصر ألا تقل سنه عن أربعين سنة , وأن تكون سن زوجه حينئذ حوالي الثلاثين .
ونتوقع كذلك أن تكون سنها أربعين سنة عندما يكون يوسف في الخامسة والعشرين أو حواليها . وهي السن التي نرجح أن الحادثة وقعت فيها . . نرجحه لأن تصرف المرأة في الحادثة وما بعدها يشير إلى أنها كانت مكتملة جريئة , مالكة لكيدها , متهالكة كذلك على فتاها . ونرجحه من كلمة النسوة فيما بعد . . *امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه*. . وإن كانت كلمة فتى تقال بمعنى عبد , ولكنها لا تقال إلا ولها حقيقة من مدلولها من سن يوسف . وهو ما ترجحه شواهد الحال .
نبحث هذا البحث , لنصل منه إلى نتيجة معينة . لنقول:إن التجربة التي مر بها يوسف - أو المحنة - لم تكن فقط في مواجهة المراودة في هذا المشهد الذي يصوره السياق . إنما كانت في حياة يوسف فترة مراهقته كلها في جو هذا القصر , مع هذه المرأة بين سن الثلاثين وسن الأربعين , مع جو القصور , وجو البيئة التي يصورها قول الزوج أمام الحالة التي وجد فيها امرأته مع يوسف:
*يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين*.
وكفى . . !
والتي يتحدث فيها النسوة عن امرأة العزيز , فيكون جوابها عليهن , مأدبة يخرج عليهن يوسف فيها , فيفتتن به , ويصرحن , فتصرح المرأة:
*ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين*. .
فهذه البيئة التي تسمح بهذا وذلك بيئة خاصة . هي بيئة الطبقة المترفة دائما . ويوسف كان فيها مولى وتربى فيها في سن الفتنة . . فهذه هي المحنة الطويلة التي مر بها يوسف , وصمد لها , ونجا منها ومن تأثيراتها ومغرياتها وميوعتها ووسائلها الخبيثة . ولسنه وسن المرأة التي يعيش معها تحت سقف واحد كل هذه المدة قيمة في تقدير مدى الفتنة وخطورة المحنة والصمود لها هذا الأمد الطويل . أما هذه المرة فلو كانت وحدها وكانت مفاجأة بلا تمهيد من إغراء طويل , لما كان عسيرا أن يصمد لها يوسف , وبخاصة أنه هو مطلوب فيها لا طالب
. وتهالك المرأة قد يصد من نفس الرجل . وهي كانت متهالكة .
والآن نواجه النصوص:
*وراودته التي هو في بيتها عن نفسه , وغلقت الأبواب , وقالت:هيت لك !*. .
وإذن فقد كانت المراودة في هذه المرة مكشوفة , وكانت الدعوة فيها سافرة إلى الفعل الأخير . . وحركة تغليق الأبواب لا تكون إلا في اللحظة الأخيرة , وقد وصلت المرأة إلى اللحظة الحاسمة التي تهتاج فيها دفعة الجسد الغليظة , ونداء الجسد الأخير:
*وقالت:هيت لك !*.
هذه الدعوة السافرة الجاهرة الغليظة لا تكون أول دعوة من المرأة . إنما تكون هي الدعوة الأخيرة . وقد لا تكون أبدا إذا لم تضطر إليها المرأة اضطرارا . والفتى يعيش معها وقوته وفتوته تتكامل , وأنوثتها هي كذلك تكمل وتنضج , فلا بد كانت هناك إغراءات شتى خفيفة لطيفة , قبل هذه المفاجأة الغليظة العنيفة .
*قال:معاذ الله . إنه ربي أحسن مثواي . إنه لا يفلح الظالمون*. .
*معاذ الله*. .
أعيذ نفسي بالله أن أفعل .
*إنه ربي أحسن مثواي*. .
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ *30* - يوسف
وأكرمني بأن نجاني من الجب وجعل في هذه الدار مثواي الطيب الآمن .
*إنه لا يفلح الظالمون*. . الذين يتجاوزون حدود الله , فيرتكبون ما تدعينني اللحظة إليه .
والنص هنا صريح وقاطع في أن رد يوسف المباشر على المراودة السافرة كان هو التأبي , المصحوب بتذكر نعمة الله عليه , وبتذكر حدوده وجزاء من يتجاوزون هذه الحدود . فلم تكن هناك استجابة في أول الموقف لما دعته إليه دعوة غليظة جاهزة بعد تغليق الأبواب , وبعد الهتاف باللفظ الصريح الذي يتجمل القرآن في حكايته وروايته:
*وقالت:هيت لك*.
*ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه*!
لقد حصر جميع المفسرين القدامى والمحدثين نظرهم في تلك الواقعة الأخيرة . فأما الذين ساروا وراء الإسرائيليات فقد رووا أساطير كثيرة يصورون فيها يوسف هائج الغريزة مندفعا شبقا , والله يدافعه ببراهين كثيرة فلا يندفع ! صورت له هيئة أبيه يعقوب في سقف المخدع عاضا على أصبعه بفمه ! وصورت له لوحات كتبت عليها آيات من القرآن -
أي نعم من القرآن ! - تنهي عن مثل هذا المنكر , وهو لا يرعوي ! حتى أرسل الله جبريل يقول له:أدرك عبدي , فجاء فضربه في صدره . . إلى آخر هذه التصورات الأسطورية التي سار وراءها بعض الرواة وهي واضحة التلفيق والاختراع !
وأما جمهور المفسرين فسار على أنها همت به هم الفعل , وهم بها هم النفس , ثم تجلى له برهان ربه فترك .
وأنكر المرحوم الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار على الجمهور هذا الرأي .
وقال:إنها إنما همت بضربه نتيجة إبائه وإهانته لها وهي السيدة الآمرة , وهم هو برد الاعتداء ; ولكنه آثر الهرب فلحقت به
وقدت قميصه من دبر . . وتفسير الهم بأنه هم الضرب ورد الضرب مسألة لا دليل عليها في العبارة , فهي مجرد رأي لمحاولة البعد بيوسف عن هم الفعل أو هم الميل إليه في تلك الواقعة . وفيه تكلف وإبعاد عن مدلول النص .
أما الذي خطر لي وأنا أراجع النصوص هنا , وأراجع الظروف التي عاش فيها يوسف , في داخل القصر مع هذه المرأة الناضجة فترة من الزمن طويلة , وقبل أن يؤتى الحكم والعلم وبعدما أوتيهما الذي خطر لي أن قوله تعالى:
*ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه*. .
هو نهاية موقف طويل من الإغراء , بعدما أبى يوسف في أول الأمر واستعصم . . وهو تصوير واقعي صادق لحالة النفس البشرية الصالحة في المقاومة والضعف ; ثم الاعتصام بالله في النهاية والنجاة . . ولكن السياق القرآني لم يفصل في تلك المشاعر البشرية المتداخلة المتعارضة المتغالبة ; لأن المنهج القرآني لا يريد أن يجعل من هذه اللحظة معرضا يستغرق أكثر من مساحته المناسبة في محيط القصة , وفي محيط الحياة البشرية المتكاملة كذلك . فذكر طرفي الموقف بين الاعتصام في أوله والاعتصام في نهايته , مع الإلمام بلحظة الضعف بينهما
, ليكتمل الصدق والواقعية والجو النظيف جميعا .
هذا ما خطر لنا ونحن نواجه النصوص , ونتصور الظروف . وهو أقرب إلى الطبيعة البشرية وإلى العصمة النبوية . وما كان يوسف سوى بشر . نعم إنه بشر مختار . ومن ثم لم يتجاوز همه الميل النفسي في لحظة من اللحظات . فلما أن رأى برهان ربه الذي نبض في ضميره وقلبه , بعد لحظة الضعف الطارئة , عاد إلى الاعتصام والتأبي .
*كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء , إنه من عبادنا المخلصين*. .
*واستبقا الباب*. .
فهو قد آثر التخلص بعد أن استفاق . . وهي عدت خلفه لتمسك به , وهي ما تزال في هياجها الحيواني .
*وقدت قميصه من دبر*. .
نتيجة جذبها له لترده عن الباب . .
وتقع المفاجأة:
*وألفيا سيدها لدى الباب*. .
وهنا تتبدى المرأة المكتملة , فتجد الجواب حاضرا على السؤال الذي يهتف به المنظر المريب . إنها تتهم الفتى:
*قالت:ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ?*. .
ولكنها امرأة تعشق , فهي تخشى عليه , فتشير بالعقاب المأمون .
*إلا أن يسجن أو عذاب أليم*!
ويجهر يوسف بالحقيقة في وجه الاتهام الباطل:
*قال:هي راودتني عن نفسي*!
وهنا يذكر السياق أن أحدا أهلها حسم بشهادته في هذا النزاع:
*وشهد شاهد من أهلها . إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ; وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين*. .
فأين ومتى أدلى هذا الشاهد بشهادته هذه ? هل كان مع زوجها [ سيدها بتعبير أهل مصر ] وشهد الواقعة ؟ أم أن زوجها استدعاه وعرض عليه الأمر , كما يقع في مثل هذه الأحوال ان يستدعي الرجل كبيرا من أسرة المرأة ويطلعه على ما رأى , وبخاصة تلك الطبقة الباردة الدم المائعة القيم هذا وذلك جائز .
وهو لا يغير من الأمر شيئا . وقد سمي قوله هذا شهادة , لأنه لما سئل رأيه في الموقف والنزاع المعروض من الجانبين - ولكل منها ومن يوسف قول - سميت فتواه هذه شهادة , لأنها تساعد على تحقيق النزاع والوصول إلى الحق فيه . . فإن كان قميصه قد من قبل فذلك إذن من أثر مدافعتها له وهو يريد الاعتداء عليها فهي صادقة وهو كاذب .
وإن كان قميصه قد من دبر فهو إذن من أثر تملصه منها وتعقبها هيله حتى الباب , وهي كاذبة وهو صادق . . وقدم الفرض الأول لأنه إن صح يقتضي صدقها وكذبه , فهي السيدة وهذا فتى , فمن باب اللياقة أن يذكر الفرض الأول ! والأمر لا يخرج عن أن يكون قرينة .
*فلما رأى قميصه قد من دبر*. .
تبين له حسب الشهادة المبنية على منطق الواقع أنها هي التي راودت , وهي التي دبرت الاتهام . . وهنا تبدو لنا صورة من "الطبقة الراقية " في الجاهلية قبل الآف السنين وكأنها هي هي اليوم شاخصة . رخاوة في مواجهة الفضائح الجنسية ; وميل إلى كتمانها عن المجتمع , وهذا هو المهم كله:
*قال:إنه من كيدكن . إن كيدكن عظيم . يوسف أعرض عن هذا , واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين*!
هكذا . إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم . . فهي اللباقة في مواجهة الحادث الذي يثير الدم في العروق . والتلطف في مجابهة السيدة بنسبة الأمر إلى الجنس كله , فيما يشبه الثناء . فإنه لا يسوء المرأة أن يقال لها:إن كيدكن عظيم ! فهو دلالة في حسها على أنها أنثى كاملة مستوفية لمقدرة الأنثى على الكيد العظيم !
والتفاتة إلى يوسف البريء:
*يوسف أعرض عن هذا*. .
فأهمله ولا تعره اهتماما ولا تتحدث به . . وهذا هو المهم . . محافظة على الظواهر !
وعظة إلى المرأة التي راودت فتاها عن نفسه , وضبطت متلبسة بمساورته وتمزيق قميصه:
*واستغفري لذنبك . إنك كنت من الخاطئين*. .
إنها الطبقة الأرستقراطية , من رجال الحاشية , في كل جاهلية . قريب من قريب !
ويسدل الستار على المشهد وما فيه . . وقد صور السياق تلك اللحظة بكل ملابساتها وانفعالاتها ولكن دون أن ينشيء منها معرضا للنزوة الحيوانية الجاهرة , ولا مستنقعا للوحل الجنسي المقبوح
ولم يحل السيد بين المرأة وفتاها . ومضت الأمور في طريقها . فهكذا تمضي الأمور في القصور !
ولكن للقصور جدرانا , وفيها خدم وحشم . وما يجري في القصور لا يمكن أن يظل مستورا . وبخاصة في الوسط الأرستقراطي , الذي ليس لنسائه من هم إلا الحديث عما يجري في محيطهن . وإلا تداول هذه الفضائح ولوكها على الألسن في المجالس والسهرات والزيارات:
*وقال نسوة في المدينة:امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه . قد شغفها حبا . إنا لنراها في ضلال مبين*. .
وهو كلام أشبه بما تقوله النسوة في كل بيئة جاهلية عن مثل هذه الشؤون . ولأول مرة نعرف أن المرأة هي امرأة العزيز , وأن الرجل الذي اشتراه من مصر هو عزيز مصر - أي كبير وزرائها - ليعلن هذا مع إعلان الفضيحة العامة بانتشار الخبر في المدينة:
*امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه*. .
ثم بيان لحالها معه:
*قد شغفها حبا*. .
فهي مفتونة به , بلغ حبه شغاف قلبها ومزقه , وشغاف القلب غشاؤه الرقيق:
إنا لنراها في ضلال مبين . .
وهي السيدة الكبيرة وزوجة الكبير , تفتتن بفتاها العبراني المشترى . أم لعلهن يتحدثن عن اشتهارها بهذه الفتنة وانكشافها وظهور أمرها , وهو وحده المنتقد في عرف هذه الأوساط لا الفعلة في ذاتها لو ظلت وراء الأستار ?!
قصة امرأة العزيز مع سيدنا يوسف
امرأة العزيز ترد كيد النساء:
قال تعالي:
(فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ *31* )- يوسف
ولنتابع مع صاحب الظلال شرحه السهل الممتنع..قال:
وهنا كذلك يقع ما لا يمكن وقوعه إلا في مثل هذه الأوساط . ويكشف السياق عن مشهد من صنع تلك المرأة الجريئة , التي تعرف كيف تواجه نساء طبقتها بمكر كمكرهن وكيد من كيدهن.
ثم قال:
لقد أقامت لهن مأدبة في قصرها . وندرك من هذا أنهن كن من نساء الطبقة الراقية . فهن اللواتي يدعين إلى المآدب في القصور . وهن اللواتي يؤخذن بهذه الوسائل الناعمة المظهر . ويبدو أنهن كن يأكلن وهن متكئات على الوسائد والحشايا على عادة الشرق في ذلك الزمان . فأعدت لهن هذا المتكأ . وآتت كل واحدة منهن سكينا تستعملها في الطعام - ويؤخذ من هذا أن الحضارة المادية في مصر كانت قد بلغت شأنا بعيدا , وأن الترف في القصور كان عظيما . فإن استعمال السكاكين في الأكل قبل هذه الآلاف من السنين له قيمته في تصوير الترف والحضارة المادية . وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة , فاجأتهن بيوسف:
*وقالت:اخرج عليهن*. .
*فلما رأينه أكبرنه*. .
بهتن لطلعته , ودهشن .
*وقطعن أيديهن*. .
وجرحن أيديهن بالسكاكين للدهشة المفاجئة .
*وقلن حاش لله !*. .
وهي كلمة تنزيه تقال في هذا الموضع تعبيرا عن الدهشة بصنع الله
*ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم* .
وهذه التعبيرات دليل - كما قلنا في تقديم السورة - على تسرب شيء من ديانات التوحيد في ذلك الزمان .
ورأت المرأة أنها انتصرت على نساء طبقتها , وأنهن لقين من طلعة يوسف الدهش والإعجاب والذهول . فقالت قولة المرأة المنتصرة , التي لا تستحي أمام النساء من بنات جنسها وطبقتها ; والتي تفخر عليهن بأن هذا في متناول يدها ; وإن كان قد استعصى قياده مرة فهي تملك هذا القياد مرة أخرى:
قالت:فذلكن الذي لمتني فيه . .
فانظرن ماذا لقيتن منه من البهر والدهش والإعجاب !
*ولقد راودته عن نفسه فاستعصم*. .
ولقد بهرني مثلكن فراودته عن نفسه فطلب الاعتصام - تريد أن تقول:إنه عانى في الاعتصام والتحرز من دعوتها وفتنتها ! -
ثم تظهر سيطرتها عليه أمامهن في تبجح المرأة من ذلك الوسط , لا ترى بأسا من الجهر بنزواتها الأنثوية جاهرة مكشوفة في معرض النساء:
ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين !
فهو الإصرار والتبجح والتهديد والإغراء الجديد في ظل التهديد .
ويسمع يوسف هذا القول في مجتمع النساء المبهورات , المبديات لمفاتنهن في مثل هذه المناسبات . ونفهم من السياق أنهن كن نساء مفتونات فاتنات في مواجهته وفي التعليق على هذا القول من ربة الدار ; فإذا هو يناجي ربه:
*قال:رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه*. .
ولم يقل:ما تدعوني إليه . فهن جميعا كن مشتركات في الدعوة . سواء بالقول أو بالحركات واللفتات . . وإذا هو يستنجد ربه أن يصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن , خيفة أن يضعف في لحظة أمام الإغراء الدائم , فيقع فيما يخشاه على نفسه , ويدعو الله أن ينقذه منه:
*وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين*. .
وهي دعوة الإنسان العارف ببشريته . الذي لا يغتر بعصمته ; فيريد مزيدا من عناية الله وحياطته , يعاونه على ما يعترضه من فتنة وكيد وإغراء .
*فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن , إنه هو السميع العليم*. .
وهذا الصرف قد يكون بإدخال اليأس في نفوسهن من استجابته لهن , بعد هذه التجربة , أو بزيادة انصرافه عن الإغراء حتى لا يحس في نفسه أثرا منه . أو بهما جميعا .
*إنه هو السميع العليم*الذي يسمع ويعلم , يسمع الكيد ويسمع الدعاء , ويعلم ما وراء الكيد وما وراء الدعاء .
قصة امرأة العزيز مع سيدنا يوسف
توبة امرأة العزيز واعترافها:
وتمضي أحداث القصة كما هو معروف ويسجن يوسف حتي يري الملك رؤية ويفسرها يوسف بما أعطاه الله من التأويل ويعلم به الملك فيأمر بأخراجه فيرفض حتي تثبت برأته مما أتهم به من امرأة العزيز.
قال تعالي:
(قَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) -يوسف
قال الحافظ بن كثير:
لما أحاط الملك علماً بكمال علم يوسف عليه الصلاة والسلام ، وتمام عقله ، ورأيه السديد وفهمه ، أمر بإحضاره إلى حضرته ، ليكون من جملة خاصته فلما جاءه الرسول بذلك ، أحب ألا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلماً وعدواناً ، وأنه برىء الساحة مما نسبوه إليه بهتاناً " قال ارجع إلى ربك " يعني الملك " فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم " قيل معناه : إن سيدي العزيز يعلم براءتي مما نسب إلي ، أي فمر الملك فليسألهن : كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهن إياي ؟ وحثهن لي على الأمر الذي ليس برشيد ولا سديد ؟
فلما سئلن عن ذلك اعترفن بما وقع من الأمر ، وما كان منه من الأمر الحميد " قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء "
فعند ذلك " قالت امرأة العزيز " وهي زليخا " الآن حصحص الحق " أي ظهر وتبين ووضح ، والحق أحق أن يتبع " أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين " أي فيما يقوله ، ومنه أنه برىء وأنه لم يراودني ، وأنه حبس ظلماً وعدواناً ، وزوراً وبهتاناً
وقوله : " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين " قيل إنه من كلام يوسف ، أي إنما طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب وقيل إنه من تمام كلام زليخا ، أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أني لم أخنه في نفس الأمر ، وإنما كان مراودة لم يقع معها فعل فاحشة وهذا القول هو الذي نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم سوى الأول
" وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم " قيل إنه من كلام يوسف ، وقيل من كلام زليخا وهو مفرع على القولين الأولين وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى والله أعلم.
قصة امرأة العزيز مع سيدنا يوسف


اقرأ أيضا::


rwm hlvHm hgu.d. lu sd]kh d,st hlvHm d,st

__________________

لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية (Tags)
العزيز, امرأة, يوسف, سيدنا

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 04:50 AM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2024 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Content Relevant URLs by vBSEO